يوميات دارفور: البحث عن المجهول
يوميات دارفور: البحث عن المجهول–الجزء 1
تحركت من مدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور – الفاشر في يوم الأربعاء الموافق 21/مارس 2012م في تمام الساعة الحادية عشرة ونصف صباحاً وكانت الوجهة لمعسكرات النازحين بشمال دارفور (كتم – كبكابية) نسبة لتوارد بعض الأخبار عن وجود نازحين جدد نزحوا جراء المعارك العنيفة التي دارت في المنطقة مطلع الشهر المنصرم بين قوات الجيش السوداني وقوات تحالف القوي الثورية من جانب آخر.
وصلتنا معلومات من بعض الأخوة في تلك المواقع بأن المعارك المقصودة حدثت جراء نزاع غير مرتب له في مواقع التنقيب عن الذهب خصوصا ً في منطقة هشابة 3 ساعات غرب الفاشر ، ولكن نسبة لخطورة الطريق نصحنا بأن نسافر عن طريق كتم 5 ساعات غرب الفاشر ثم نذهب إلي عبد الشكور موقع تنقيب قديم ومعسكر لمليشيا الحكومة السودانية (جنجويد ، حرس حدود ، أب طيرا غيره من المسميات الرائجة في دارفور). حيث تبعد حوالي 3 ساعات شمال غرب كتم ومن ثم إلي هشابه 4 ساعات شمال غرب عبد الشكور.
المناطق المذكورة جميعها كانت مسارح لصراعات مسلحة والآن معظمها تتبع في الإدارة والتمويل والأمن إلي جهات متعددة مثلا : الشريط الدائري من كتم ، كبكابية عبد الشكور تتبع لإدارة القبائل العربية أو كما يزعمون بأنهم مليشيات تتبع لنظام الإنقاذ. المناطق الأخرى تعتبر مناطق محرره كما يطلق عليها من قبل الثوار وهي مقسمة حسب الولاء للحركات المسلحة.
تحركت من الفاشر كما ذكرت سابقا بوجهه معلن عنها كتم ووجهه أخري هي هشابة ، كما أسلفت تحركت في تمام الساعة الحادية عشرة مرورا بدونكي شطة سلسلة جبال وانا ، عريش سلطان (تتبع للإرادة الحرة) ، ثم منطقة كفوت ، حتى وصلنا إلي كتم في تمام الساعة الرابعة والنصف عصرا ، كتم المدينة الخضراء لم ننتظر كثيرا حتى وجدنا (الكمسنجي) رجل الترحيلات وأخبرنا بأن هناك سيارة تتجه إلي عبد الشكور. لم نتأخر كثيرا وتحركنا صوب عبد الشكور بين الأودية والخيران والصخور الجبلية حتى وصلنا إلي مدينة عبد الشكور قبل صلاة المغرب بدقائق.
تلك البقعة الصغيرة التي كانت تستخدم سابقا كمزارع للدخن والماريق والتمباك والطماطم وغيرها من خيرات دارفور أصبحت اليوم من أكبر المعسكرات التي تضم اخطر أنواع البشرية في دارفور الذين روعوا الصغار والكبار ألا وهم الجنجويد. إضافة إلي أنها منطقة غنية بالمعادن (كالذهب الذي ظهر مؤخرا) ، بالإضافة إلي ذلك النازحين من القرى المجاورة حيث أصبحت مركز تجاري هام وضخم جدا ومركز للرعب والإرهاب والفساد بكل أنواعه وأصنافه.
قضينا ليلتنا في عبد الشكور في رواكيبها (ستات الشاي والجبنة و صاحبات المطاعم للوجبات البلدية والكناتين … الخ). سمعت من همس بعض الشباب يعتريهم غبار كثيف يرتدون ملابس متسخة خرجوا لتوهم من احد المناجم (وردية العصر) قال احدهم “ياخي دي شغلانة فارغة أنحنا نقيل اليوم كلوا ونساهر الليل نحفر ونعرض نفسنا للخطر وما نلقا غير حاجة بسيطة ودا زاتو نقسموا مع بتاع المنجم والجماعة ديل يشيلوا الضرائب والباقي ما بكفينا أكل وشراب يا جماعة نمشي هشابة قالوا هناك شغل راقد ، واحد ضحك وقال يا فلان أنتا لو داير تموت امشي هناك”.
أحزنني هذا الكلام وشعرت بخطورة المكان الذي نقصده ، قصدت المكان المخصص للنوم افترشت سباته صغيره وحاولت أن أنام جالت في خاطري أفكار عديدة وذهبت في نوم عميق من جراء الرحلة الشاقة.
أفقت في الصباح الباكر علي أبواق السيارات المتجهة إلي تلك المنطقة جاء الكمسنجي وقال الراكب إلي هشابة ب50 جنيه سوداني تعجبت ولاحظ احد زملائي تعجبي وقال لي نحن في مكان لا توجد فيه مساحة للمنطق أو الجدال ادفع وخلينا نمشي ، ركبنا العربة في صباح الخميس الموافق 22/3/2012م في تمام الساعة 9 صباحا متوجهين إلي المجهول (هشابه) في موكب قوامه 3 سيارات لاندروفر يتهامس الركاب ويتساءلون عن ذلك المكان والبعض يروي بعض القصص الخرافية عن وجود الذهب بكميات كبيرة وعن الحصول عليه دون مشقه ، والبعض الأخر يتحدث علي الصراعات الأخيرة التي حدثت في المنطقة وعن غلاء الماء والأكل وعن عدم توفر الأمن الجميع يثرثر إلا أنا وصديق لي وامرأة في منتصف الثلاثينات ومعها فتاة في مقتبل عمرها 12 أو 13 سنة بالتقريب. جذبت انتباهي لأنها يبدو عليها أنها نالت قسط من التعليم ومعظم أوقات الرحلة تناديها الفتاة بيا أمي. سألتها بدافع الفضول عن سبب تركها للمدينة وتجولها في هذه المناطق الخطرة : ابتسمت بمرارة وقالت يا أخي الظروف جبارة : “أنا أم لهذه الفتاة واثنتين تركتهم في الفاشر ، تزوجت ذلك الزواج التقليدي ابن العم في سن مبكرة تركت التعليم وانشغلت بأمور بيتي شاءت الأقدار وتوفي زوجي في الصراعات الأخيرة بطويلة علي يد مليشيات الحكومة تشردت أنا وبناتي الثلاث من معسكر نزوح إلي أخر حتى وصلنا معسكر أبوجا للنازحين بالفاشر ، توفي والدي وأخي الأكبر ، باقي الأسرة تشتت في معسكرات النزوح ، أبناء عمومتي أخوة زوجي معظمهم انضموا للحركات المسلحة والباقين لم اسمع منهم أي خبر منذ أن غادرنا معسكر رواندا للنازحين بطويلة نسبة لعدم توفر الأمن بعد المناوشات الأخيرة بين الحركات المسلحة والحكومة واستيلاء الأخيرة علي المنطقة المجاورة ، المهم جيت الفاشر واستقريت في معسكر أبوجا للنازحين ، الحمد لقيت لأولادي مدرسة والخواجات ما قصروا معانا لكن يا اخوي أنتا شايف الحال وتربية ثلاث أطفال صعب شديد اشتغلت في البيوت بنظف وبغسل ولقيت مضايقات كثير لأنو من المعسكر للبلد بعيد وكمية من العوارض وأي زول بفتكر انو النسوان الزينا ديل رخاص ممكن يعملوا أي حاجة ، ما خليت ديوان زكاه وما خليت أي باب وما دقيتو وحتى حاولت القا لي وظيفة صغيره إنشاء الله فراشة لكن ما لقيت ، وياهو سمعت عن الدهب في المكان الماشين ليهو دا وسقتا بتي الكبيرة وخليت الباقين مع جاراتنا كانوا معانا في طويلة وحسع سكنا جنبهم في المعسكر ، أنا عارفه انو المكان دا خطر علي نفسي وعلي بتي لكن يا أخوي المعايش جبارة والحال بغني عن السؤال ومتوكلة علي ربي وطمعانه في رزقه” وأنتا برضوا شكلك بقول انك متعلم وما زول سفر ، ابتسمت وقلت ليها الله غالب يا أختي كلنا علي هذا الحال وربنا يرزقنا ، صمتنا جميعنا لفترة وجيزة وصاح احد الركاب دي منطقة ملاقات من هنا هشابه ما بعيدة الناس يشيلوا مويه ويرتاحوا حبه وبعد داك نمشي قدام وكمال قال توقفت العربات ونزل السائق وقال نفس كلام ذلك الراكب.
ملاقات منطقة صغيرة يحدها جبال من الشمال والشرق وفي غربها وادي كبير اسمه وادي ملاقات وبه سويق صغير عبارة عن عدد قليل من الرواكيب لا يزيد عن ستة أو سبعة وصادف انه يوم السوق ، تجولت مع زميلي داخل السوق واشترينا بعض الأشياء الصغيرة وتجاذبنا أطراف الحديث مع أحد التجار قال لنا : المنطقة دي من 2003م بداية مشاكل دافور ما عمرت بالشكل دا إلا بعد ظهور الذهب في الجوار وقال تبعد المنطقة زى ساعة من هنا لكن خطرة شديد أول أمس قتلوا زول هناك وجو ناس طورا بورا (الحركات) لأنو المناطق دي تابعه ليهم وعملوا تفتيش في الحلال المجاورة عن القتلة ولقوهم في حلة قريبه من هنا وساقوهم مشوا بيهم الجبل.
لكن الله معاكم هكذا قال التاجر ، تعالت أبواق العربات مؤذنة لمواصلة الرحلة وركبنا وعم الصمت إلا من بعض القفشات والنكات من الركاب.
وصلنا إلي المنطقة المقصودة حوالي منتصف النهار توقفت السيارات وبدئنا في النزول ، المكان عبارة عن سلسلة جبلية دائرية مترامية علي مد البصر لا يوجد أثر للحياة مطلقا سالت احدهم قال لي زمان كنا رعاة بنجي المناطق دي في الخريف بنعمل فرقان (الفريق أو الفريك عبارة عن تجمع رعوي لأصحاب الماشية بمختلف أنواعها تكون خصبة ومحتويه علي أعشاب وأشجار تستخدم لتعليف الماشية). وبنعقد لحدي الضرد (الحصاد) وبنتحرك في أوائل الصيف ، لكن دا كان زمان زمن دنيا بخيره.
بحثت بعيني عن تلك الشابة ووجدتها هي وابنتها يحملون متاعهم ويتجهون إلي مكان ظليل كمنزل لهم يطلق عليه الباحثين عن الذهب والنازحين وغيرهم من الذين يعشقون السفر والتجوال والمغامرات اسم (تايه أو ضرا) ويقصد به مكان نومك في الخلاء سواء كنت وحيدا أو مع مجموعة.
وصلنا مرهقين جدا واخترنا أنا وزميلي بقة صغيرة كتايه لنا ووضعنا متعلقاتنا (فرشات ، بطانية ، حلة + معدات الطعام الخ …) وشرعنا نبحث عن شخص نعرفه في هذا المكان الغريب وعلمنا من بعض الأخوة أن الجميع الآن في المناجم يعملون وقالوا لنا انتو اخدوا راحتكم وبعداك فتشوهم.
ذهبنا في سبات عميق وصحونا علي صوت أعيره نارية شديدة وبالقرب منا عن نفسي لم أرى شيئا لأننا استخدمنا الساتر وانبطحنا في الأرض بعد برهة وجيزة ربع ساعة تقريبا هدأت الأمور وسمعنا منادي يقول كلكم كويسيين ، قال زميلي نعم الحمد لله ، وسمعنا نفس الصوت يأمر الجميع بالحضور إلي مكان بالقرب منا ، عندما رفعت رأسي شاهدت حوالي ثلاث سيارات لأندركوزر ذات دفع رباعي محملة بأسلحة حديثة مقطوعة الرأس وبها حوالي 20 فرد بالتقريب ملثمي الوجوه ويرتدون الزي العسكري المستورد ، قال لنا نفس الصوت شاب في مقتبل العمر : بلغة عامية ركيكة “أنحنا ما قاصدين نخوفكم بس عربات ديل أنحنا بلغناهم قبل كدا انو ما يجيبوا زول لي مكان دا وهمن رأسهم قوي أي عنيدين وما بسمعوا كلام ، يا ناس أسبوع الفات دا أنحنا اشتبكنا مع ناس جنجويد كلاب بتاع حكومة وبتاع عمر بشير في موضوع بتاع جيتكم هنا ناس ديل(جنجويد) سمعوا انو في دهب هنا وجو بسلاح وعربات بتاعهم وانحنا قلنا ليهم منطقة دا من مناطق محرره انتو كان دايرين تجوا زى مواطنين ديل مرحب بيكم تعالوا فتشوا الرازق الله ، لكن تجوا بسلاح بتاعكم كلام دا غلط أنحنا منطقه دا حقنا وكل مناطق حولوا دا تابع للحركات المسلحة بمسمياتهم المختلفة 2 حكومة في مكان واحد ما في ما عندنا مشكلة مع عربي ولا زغاوي ولا فوراوي ولا مسلاتي ولا أي جنس في سودان دا. زول مرق من بيتوا بسال رزق من الله ما عندنا معهوا مشكلة يجي ويحترم شروط بتاعنا ويشتغل وربنا الرازق لكن بسلاح وفوضي كفاية شغل سويتوا في ناس مساكين داك تاني فوضي مافي ، وهسع ناس الجو هنا دا لو في زول جاسوس بتاع حكومة أخير ليهو يرجع بعربات الجابوهو دا ولو في زول جي عشان أي برنامج تاني غير شغل دهب دا برضوا أفضل ليهو يرجع ، ناس يشتغلوا بالنهار لأنو بالليل ما معروف وما تولع نور أو نار لأنو أنتنوف يومين دا لافي أقرب حله من هنا ساعتين برجلينك وأقرب بير بتاع مويه ساعتين في جيرا و بيري ناس تعمل حسابا وربنا يرزقكم ، سلام عليكم”.
حديث يخبرك بأن هذا الوديان والجبال ما زالت بخير وأن من أصلابها شباب شجعان عاهدوا أنفسهم بحماية أهلهم من الظلم والجبروت من الطغاة المتربعين علي صدور السودانيين منذ 1956م وحتى الآن.
انصرفوا وذهب كل في حاله رجعت أنا وزميلي إلي مضجعنا وقد مالت الشمس إلي الغروب وأظلمت تلك الخيران والوديان ، لمحت الفتاة ووالدتها حييتهم وردوا علي السلام تجاذبنا أطراف الحديث مع صديقي وخلدنا إلي النوم يزعجنا أزيز الأنتوف والبرد القارس.
يتبع…


